يوسف المرعشلي
217
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
الاجتماعية ، وكانت موضوعات دروسه حديث المجالس العامة والخاصة . اختطّ لدروسه نهجا جديدا خرج فيه على ما ألف الناس ؛ فهبط إلى مستوى العامة في تقريره أدق المسائل ؛ فأصاب العامي من حضوره فوائد جمة ، وفهم كثيرا من أمور دينه ، وعرف حكم اللّه في كثير من الأمور المتفشية في زمانه . ودروسه في التفسير بين العشاءين يفتتحها عادة بقراءة الآيات التي وصل التفسير إليها ، مبتدئا بذكر أسباب النزول ، ثم يشرح معناها بلغة سهلة جدا ، ثم يذكر ما فيها من وجوه القراءات ومعانيها ، ثم يسرد أحكامها مبيّنا حلالها وحرامها ، ثم يشرع بتطبيق أحكامها على أحوال زمانه ، منبها إلى ما ترك الناس من أوامرها ، وما ارتكبوا من نواهيها ، ويستطرد هنا ، ويستعرض ما يجري عليه الناس في معاشهم من غش وخيانة واحتيال ، مسهبا في التنديد ، مفصحا غير معرض ؛ فهو يذكر ضروب الغش الذي يأتيه الخبازون والطحانون والقصابون ، وسائر أرباب الصناعات ؛ غير ناس المتظاهرين بالتقى والصلاح ، المغررين بالناس ليحتالوا عليهم ، ثم يعرج على الحكام ، وما يفعلون بالفلاحين والعمال والفقراء واليتامى والمساكين . وكان أكثر ما ينصبّ إنكاره على أولئك الذين نصبوا أنفسهم منارات الهدى وورثة الأنبياء ، وحماة الدين من المنافقين الذين يتملقون الحكام . ولقد قامت دروسه مقام الصحف والبلديات والمحتسبين في وقت واحد ، فكان لسان الشعب الحذر ، وعينه اليقظى . وكان يبين في كلامه واجب العلماء : الذي هو الاختلاط بطبقات الشعب ، والعمل على الإصلاح ، ويردد كلمة الغزالي : « ومن لم يعرف أحوال زمانه فهو جاهل » . تلاميذه كثر منهم : الأستاذ سعيد الأفغاني ؛ مدرس علوم العربية في الجامعة السورية ، قرأ عليه العربية وعلوم الدين ، وأفاد منه فائدة لا تقدر ، ومن تلامذته أيضا : ابن أخته الدكتور كامل نصري . انقطع عن الزيارات بجميع أنواعها ، ومن كان يريده يتعرض له في الطريق أو يترقّبه في المسجد . وكان يقوم بخدمة أهله بنفسه فيحمل حاجاته من السوق ، ويملأ الماء ، ولم يستعمل خادما . ظل عزبا يجتنب الزواج ؛ لأنه استعظم تربية الولد ، وأشفق على من كثرت عياله ؛ لكنه لما ماتت والدته التي ثابر على خدمتها ، وترفيه حياتها ، وتخفيف آلامها ، ولا سيما في أيام إصابتها بالشلل شعر بالوحدة ودنو الشيخوخة ؛ فتزوج وقد نيّف على الخمسين ، فرزق سبعة أولاد . لقي احترام المنصفين وتعظيمهم ، وكان قدوة حسنة يجمع إلى الورع متانة العقيدة التي يزينها الكرم والوفاء ، والكمال وطيب الأحدوثة ، وطرح التكلّف وحسن الصحبة ، وحضور النكتة وصراحة الفكرة ، وعفة النفس والصبر على الشدائد ، والابتعاد عما لا يعنيه . لم يتخذ العمامة البيضاء شعار العلماء بل العمامة الصفراء شعار التجار . توفّي فجأة بالسكتة القلبية في حي مسجد الأقصاب عام 1357 ه ، وقد أقامت له جمعية التمدن الإسلامي حفلا تأبينيا في بهو المجمع العلمي العربي بباب البريد ، افتتحه الشيخ عبد الرزاق الأسطواني بتلاوة آيات من القرآن الكريم ، وكان من الخطباء الشيخ محمد بهجة البيطار ، والدكتور كامل نصري ، والمحامي محمد كمال الخطيب . الفلالي « * » ( 1260 - 1327 ه ) أحمد بن هاشم بن صالح الفلالي : متفقّه متصوّف . من أهل تافلالت ( في السوس ) ونسبته إليها . تعلم بها . وجاور بمكة إحدى عشرة سنة . وعاد إلى تافلالت ، للتدريس والعبادة . وتوفي بها . له : « تحفة الراغب بالسعادة ، في الترغيب بطلب الشهادة » حضّ على الجهاد . - « صلة الموصول في محبة آل الرسول » . - « الرسالة الملكية » في الزهد .
--> ( * ) « المعسول » : 16 / 357 - 360 ، و « الأعلام » للزركلي : 1 / 265 .